الغزالي
423
مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب
قال : فجعل الناس يمرّون به ويقولون : ما لك ؟ فيقال : آذاه جاره . قال : فجعلوا يقولون : لعنه اللّه ، فجاءه جاره فقال له : رد متاعك فواللّه لا أعود . وروى الزهريّ أن رجلا أتى النبي عليه الصلاة والسلام فجعل يشكو جاره ، فأمر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أن ينادى على باب المسجد : « ألا إن أربعين دارا جار » . قال الزهري : أربعون هكذا ، وأربعون هكذا ، وأربعون هكذا ، وأربعون هكذا . وأومأ إلى أربع جهات . وقال عليه الصلاة السلام : « اليمن والشؤم في المرأة والمسكن والفرس ، فيمن المرأة خفّة « 1 » مهرها ، ويسر نكاحها ، وحسن خلقها ، وشؤمها غلاء مهرها ، وعسر نكاحها ، وسوء خلقها . ويمن المسكن سعته ، وحسن جوار أهله ، وشؤمه ضيقه ، وسوء جوار أهله ، ويمن الفرس ذلّه ، وحسن خلقه ، وشؤمه صعوبته ، وسوء خلقه » . واعلم أنه ليس حق الجوار كفّ الأذى فقط ، بل احتمال الأذى أيضا ، فإن الجار إذا كف أذاه ، فليس في ذلك قضاء حقّ ، ولا يكفي احتمال الأذى ، بل لا بدّ من الرفق ، وإسداء الخير والمعروف ، إذ يقال : إن الجار الفقير يتعلق بجاره الغني يوم القيامة فيقول : يا ربّ سل هذا لم منعني معروفه وسد بابه دوني ؟ وبلغ ابن المقفّع أن جارا له يبيع داره في دين ركبه ، وكان يجلس في ظل داره ، فقال : ما قمت إذا بحرمة ظل داره إن باعها معدما . فدفع إليه ثمن الدار ، وقال : لا تبعها . وشكا بعضهم كثرة الفأر في داره ، فقيل له : لو اقتنيت هرا . قال : أخشى أن الفأر يسمع صوت الهرّ ، فيهرب إلى دار الجيران ، فأكون قد أحببت لهم ما لا أحب لنفسي . وجملة حق الجار : أن يبدأه بالسلام ، ولا يطيل معه الكلام ، ولا يكثر عليه السؤال ، ويعوده في المرض ، ويعزّيه في المصيبة ، ويقوم معه في العزاء ، ويهنئه في الفرح ، ويظهر الشركة في السرور معه ، ويصفح عن زلاته ، ولا يتطلع من السطح إلى
--> ( 1 ) خفّة مهرها : قلّة مهرها .